التطبيع الثقافي في لبنان: إهمال تطبيق قانون مقاطعة إسرائيل يفتح الباب أمام التطبيع الأكاديمي والإعلامي
:الفرضية
انتشار ظواهر التطبيع الثقافي، ولا سيّما الأكاديمي والإعلامي، في ظل إهمال تطبيق قانون مقاطعة إسرائيل وإنفاذ العقوبات على ممارسات بعض الجهات اللبنانية.
عندما أُقِرَّ قانون مقاطعة إسرائيل في عام 1955، والذي تألّف من 13 مادة لتنفيذ وتنظيم مقاطعة العدو الإسرائيلي، لم يكن في الحسبان آنذاك معضلة وسائل التواصل الرقمية التي تهدف إلى العولمة، ولكن تقف العولمة عند التطرّق إلى عدو مغتصب قاتل ومحتل.
القوانين اللبنانية بما يخصّ المقاطعة محفوظة وموجودة، ولكن يكمن السؤال الفعلي حول مدى تطبيقها في زمن التكنولوجيا والدعوة إلى سلام كاذب. فالتطبيع لا يكمن فقط عسكريًا أو سياسيًا، بل يمكن أن يُمهَّد له تطبيعٌ ثقافي، سواء كان أكاديميًا من خلال بحث أو دراسة يتشاركها أستاذ مع أستاذ صهيوني، أو تطبيعًا إعلاميًا تتبدّل فيه المصطلحات من “عدو صهيوني” إلى “دولة إسرائيلية”، ممهدةً الطريقة للاعتياد وغرس هذا المشهد في عقول المواطنين كي يعتادوه.
أين الدولة اللبنانية؟ وأين تفعيل الدور القانوني الذي يجرّم ويحاسب؟
أمام كل مظاهر التطبيع الثقافي وممارسات جهات لبنانية غير مبرَّرة، هل القوانين غير واضحة كفاية في زمننا؟ أم أن الدولة راعية للتطبيق الثقافي، ممهدةً لتطبيع أكبر وطريق أوحش؟ أم أن هذه الممارسات سقطت سهوًا ولم تُعرها الجهات المسؤولة اهتمامًا؟
⸻
التغذية تفتح الطريق أمام التطبيع :الأكاديمي والعلمي
أثار نشر بحث علمي حول الحمية المتوسطية جدلًا، بعدما تبيّن أن البحث كُتب بمشاركة باحث إسرائيلي. فقد شاركت نقيبة اختصاصيي التغذية في لبنان وأستاذة الجامعة الأميركية في بيروت، د. نهلا حولا، في هذا البحث الذي نُشر في مجلة "فرونتيرز" الطبية، إلى جانب عدد من الباحثين، من بينهم الباحث الصهيوني إيليوت بيري من كلية الطب في الجامعة العبرية – هداسا. كما شاركت في البحث باحثة لبنانية أخرى هي فرح نجا من كلية الزراعة وعلوم التغذية في الجامعة الأميركية في بيروت.
البحث العلمي الذي نشرته نقيبة اختصاصيي التغذية في لبنان د. نهلا جولا في مجلة "فرونتيرز" بالمشاركة مع باحث اسرائيلي باسم الجامعية الأمريكية في بيروت
البحث العلمي الذي نشرته نقيبة اختصاصيي التغذية في لبنان د. نهلا جولا في مجلة "فرونتيرز" بالمشاركة مع باحث اسرائيلي باسم الجامعية الأمريكية في بيروت
في البداية، قامت الجامعة الأميركية في بيروت بنشر خبر البحث على صفحتها الرسمية على لينكدإن، وأشادت بقيادة حولا للفريق البحثي، إلا أنها حذفت المنشور بعد فترة وجيزة وبعد اعتراضات عدد من الباحثين داخل الجامعة وخارجها، في حين بقي البحث منشورًا على موقع المجلة العلمية، وحاولنا التواصل مع د. نهلا حولا للاستفسار أكثر عن ماهية البحث ولكن لم يردنا أي تجاوب في هذا الخصوص.
وللعودة إلى حدث الجامعة الأميركية في بيروت، فإن رجعنا بالزمن 7 سنوات، وتحديدًا عام 2018، نجد تصريحًا لمكتب الإعلام في بيانٍ أكد أن الجامعة لا تدعم “التطبيع” لأن ذلك يتعارض مع القانون اللبناني، ويتناقض بشكل صارخ مع مكانة الجامعة كمؤسسة تعليم عالٍ رائدة في لبنان والعالم العربي. فهل سقط ذلك سهوًا هذه المرة، أم أن للجامعة الأميركية في بيروت آراء جديدة أخرى؟
وتحت ستارة البحث العلمي يبدأ التطبيع الأكاديمي. ووفقًا للقانون، أوضح لنا المحامي والناشط الحقوقي والمدني والسياسي حسن عادل بزي أن قانون مقاطعة إسرائيل الذي صدر عام 1955 كان الهدف الأساسي منه المقاطعة التجارية مع الكيان الصهيوني، وأن هذا القانون ينطبق على كل شيء وعلى جميع المستويات. فقانونيًا، تندرج القوانين على النحو التالي:
أولًا: قانون مقاطعة إسرائيل رقم 1 (23/6/1955)
قانون صادر عام 1955، يتألف من 13 مادة، ويهدف إلى تنظيم وتنفيذ المقاطعة الاقتصادية لإسرائيل في لبنان، استنادًا إلى قرار جامعة الدول العربية عام 1952.
يحظر أي تعامل تجاري أو مالي أو أي اتفاق، مباشر أو غير مباشر، مع أشخاص أو هيئات مقيمين في إسرائيل، منتمين إليها، أو يعملون لحسابها.
يفرض عقوبات جزائية مشددة تشمل:
• الأشغال الشاقة المؤقتة
• الحبس
• الغرامات
• المنع من مزاولة العمل
صدر في بيروت بتاريخ 23 حزيران 1955، ووقّعه رئيس الجمهورية آنذاك كميل شمعون.
ثانيًا: قانون العقوبات اللبناني – الصلات غير المشروعة بالعدو
المادة 285
1. يُعاقب بالحبس سنة على الأقل وبغرامة لا تقل عن 200000 ليرة كل لبناني أو مقيم في لبنان يعقد، مباشرة أو بالواسطة، صفقة تجارية أو مالية مع رعايا العدو أو المقيمين في بلاده.
2. تُفرض العقوبة نفسها على كل لبناني أو مقيم عربي يدخل بلاد العدو دون إذن الحكومة اللبنانية، ولو لم يكن الغرض تجاريًا.
المادة 286
3. تُطبّق العقوبات نفسها على من يساهم في قرض أو اكتتاب لمصلحة دولة معادية أو يُسهِّل تقديم دعم مالي لها بأي وسيلة.
المادة 287
4. يُعاقب من يُخفي أو يختلس أموال دولة معادية أو أموال أحد رعايا العدو بالحبس من شهرين إلى سنتين وبغرامة تعادل ضعفي قيمة المال.
إن هذه القوانين والعقوبات تؤكد على الموقف اللبناني الثابت في دعم القضية الفلسطينية ورفض التطبيع والتعامل مع إسرائيل بأي شكل، سواء كان اقتصاديًا، اجتماعيًا أو حتى دبلوماسيًا مع الكيان الصهيوني.
عدوى الجامعة الأمريكية في بيروت تنتقل لجامعة الدولة
وبمقابلتنا مع نقيبة العاملين في الإعلام المرئي والمسموع، الإعلامية رندلى جبور، صرّحت بوجود بعض الأكاديميين الذين بدأوا يخرجون عن إطار العداء لإسرائيل في صفوفهم وأطروحاتهم، ويطرحون فكرة عدم استخدام مصطلح “العدو الإسرائيلي” واستبداله بـ“دولة إسرائيل”.
وذكرت جبور حادثةً شهدت عليها لأحد الأساتذة في الجامعة اللبنانية في تخصّص الجغرافيا السياسية، عند اعتراضه على استخدام إحدى الطالبات، في بحث الدكتوراه الخاص بها، مصطلح “العدو الإسرائيلي” بدلًا من “الدولة الإسرائيلية”، مما يشكّل خطرًا حقيقيًا على الوعي الأكاديمي والوطني، وفي نفس السياق أردفت أننا دخلنا في فلك التطبيع مع العدو. وهو مسار منظّم ومدروس، يُدار من الخارج، وتحديدًا من الولايات المتحدة وإسرائيل، وتُموّله بعض الدول الخليجية. وأن القوانين، من حيث المبدأ، جيدة لناحية التأكيد على العداء لإسرائيل، لكن المشكلة الأساسية أنها لا تُطبّق. لا يتم ملاحقة من يخرق القانون.
حاولنا أثناء البحث قانونياً التواصل مع وزارة التربية والتعليم للتأكد حول ماهية هذه الأحداث ولكننا لم نتلقى رد، أما عن الشق الأمني فالعميد جوزيف مسلم أكّد لنا أنه دورهم في قوى الأمن الداخلي اللبناني مقتصر فقط على متابعة الشائعات وفتح تحقيقات ليس إلا.
ما بين التطبيع والوعي الحقيقي:
د. رامي سلامي عضو حملة مناهضة مقاطعة داعمي إسرائيل وهي أقدم حملة منظمة في التاريخ الحديث شرح لنا ماهية التطبيع فهي تأتي من فكرة “الطبيعي”، أي اعتبار هذا التعامل أمرًا عاديًا، وحتى في اللغات الأجنبية يُستخدم مصطلح الاعتياد والتطبيع
وأنا أفهم الإنسان الذي لا يكون منخرطًا في حملات المقاطعة، أو لا يمتلك حدًا أدنى من ثقافة المقاطعة وأدواتها، إذ يكون من الصعب عليه إدراك أن هذا السلوك يُعد تطبيعًا.
وأما في ما يخص النيّة الأكاديمية وحادثة د. نهلا حولا، فيرى د. رامي أنّه في مثل هذه الحالات يجب توضيح أنّ هذا النوع من التعاون يُعدّ شكلًا من أشكال التطبيع، خاصةً أنّ بعض الباحثين يعتبرونه محصورًا بالإطار الأكاديمي فقط.
ويوضح أنّه في حالات معيّنة، يمكن للباحث بعد النشر طلب سحب اسم الطرف الآخر، أو الانسحاب من البحث إذا تبيّن أنّ المشاركة غير مبرّرة، وهذا أمر حاصل فعليًا. كما يؤكد على ضرورة التدقيق المسبق في أسماء المشاركين، ليس فقط من حيث الجنسية، بل أيضًا من حيث المؤسسة التي يعملون فيها، إذ قد يكون الباحث غير إسرائيلي لكنه يعمل في جامعة إسرائيلية.
أما إذا كان التعاون متعمّدًا، فيُعدّ ذلك تطبيعًا واضحًا يُفترض أن يُعتبر مخالفًا للقانون اللبناني، مع الإشارة إلى إشكالية هذا القانون الذي ما زال يفتقر إلى الوضوح والتوسّع.
في استطلاع المؤشر العربي الصادر في 6 كانون الثاني عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بيّن أن الرأ الشعبي العربي، بما في ذلك دول الخليج والمغرب العربي، ما زال رافضًا للتطبيع، ومتمسّكًا باعتبار القضية الفلسطينية قضية عربية عامة، وإسرائيل العدو الأول، مع فروقات بين البلدان.
في لبنان تحديدًا، لم تُسجَّل تغيّرات كبيرة مقارنة بالسابق. ولا تدعم القول بأن التطبيع الشعبي في صعود.
وتظهر الجداول بأن يُظهر الجدول أنّ نسبة الرافضين للاعتراف بإسرائيل مرتفعة وثابتة عبر السنوات، وتتراوح غالبًا بين 84% و88%، مع ميل طفيف للازدياد في السنوات الأخيرة.
مسؤولية الدولة والأحزاب تائهة:
ولا تزال مسؤولية الدولة، في تطبيق قانون المقاطعة ومتابعته قضائيًا وتنفيذيًا بجدّية تائهة وغائبة. فرغم صدور بعض الأحكام أحيانًا، تبقى المشكلة الأساسية في غياب المتابعة المستمرة. ويُلاحظ أن مكتب المقاطعة التابع لوزارة الاقتصاد يرفع قرارات إلى مجلس الوزراء، لكنها غالبًا ما تبقى معلّقة لأشهر من دون نتائج، ما يوحي بوجود تساهل غير معلَن مرتبط بتراجع حدّة العداء السياسي لإسرائيل، من دون إمكانية الجزم بذلك.
ومن جهته أوضح د. رامي أن حملته لمقاطعة إسرائيل تعتمد في عملها على البحث والتوثيق من مصادر متاحة، ثم نشر مقالات وإرسالها إلى الوزارات المعنية، وأحيانًا تسجيل كتب رسمية مباشرة. كما تمتلك شبكة تواصل محدودة مع جهات رسمية كالأمن العام، وعلاقة جيدة مع وزارة الاقتصاد ومكتب المقاطعة، إضافة إلى حضور إعلامي عبر المقالات والمقابلات.
وتلجأ الحملة أحيانًا إلى الضغط عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ولكن لم تنجح محاولات التعاون مع الأحزاب السياسية، وهو أمر ما زال غير مفهوم بالنسبة لسلامي. ويُرجّح أن هذا الملف لا يُعالج بالجدّية الكافية، رغم أهمية وجود جهة مستقلة تطرح قضايا المقاطعة ومناهضة المشروع الصهيوني.
ويرى المحامي بزي أن القانون اللبناني لا يقدّم تعريفًا صريحًا ومحدّدًا للتطبيع، في ظل واقع سياسي وإعلامي يعمل على فرض التطبيع كأمر طبيعي.
ويشير إلى أنّ الدولة لا تبادر تلقائيًا إلى الملاحقة، بل تُلقي العبء على المواطن لتقديم إخبارات، فيما الأجهزة الأمنية لا تملك وحدات متخصّصة. ورغم وجود قضاة مستقلين قادرين على إصدار أحكام رادعة، يبقى غياب الإرادة السياسية والدعم المؤسسي عائقًا أساسيًا، ما يدفع ناشطين إلى تحمّل كلفة المتابعة القانونية من أموالهم الخاصة.
ويؤكد أنّ التطبيع الأكاديمي حاصل فعليًا، وأن حرية التعبير لا تبرّر مخالفة الدستور والقوانين التي تعتبر إسرائيل عدوًا. ويعتبر أنّ الحصانات شجّعت على المخالفات، وأن أي تواصل أو بحث مشترك مع إسرائيليين يُعد جرمًا جزائيًا وفق الاجتهاد القضائي المستقر منذ عقود.
د. سلامي: ليس من المقبول أن يظهر اسم باحث لبناني منسوبًا إلى مقال علمي واحد مع اسم جامعة إسرائيلية. هذا الأمر يتطلب انتباهًا كبيرًا. ففي بعض المجالات، وخصوصًا في المقالات المرجعية أو مقالات المراجعة، قد يتجاوز عدد الباحثين الخمسين أو الستين، وقد لا ينتبه الباحث إلى جميع التفاصيل عن غير قصد. ومع ذلك، تبقى عليه مسؤولية الانتباه.
التطبيع الإعلامي في لبنان: الواقع المخفي
لم يقتصر مسار التطبيع على الأطر الأكاديمية والمؤسساتية فحسب، بل تمدّد ليأخذ أشكالًا جديدة عبر الإعلام التقليدي ومنصّات التواصل الاجتماعي، حيث برزت حالات تواصل علني ومباشر بين إعلاميين وصنّاع محتوى لبنانيين من جهة، ومتحدثين رسميين إسرائيليين من جهة أخرى، في خرق واضح للسياق القانوني والأخلاقي الناظم للعمل الإعلامي في لبنان.
تفاعل رقمي في المنطقة الرمادية، و عدم الحظر ليس قبولا بل خوف
في هذا الإطار، برزت حالة صانع المحتوى اللبناني “كيمو وزّان”، الذي لم يكن حضوره الرقمي قائمًا على محتوى سياسي أو إعلامي بالمعنى التقليدي، بل اشتهر أساسًا بتقديم فيديوهات ترفيهية واجتماعية حقّقت انتشارًا واسعًا على منصّات التواصل الاجتماعي.
خلال هذه الفترة، بدأ “كيمو” نشر بعض الفيديوهات الترفيهية التي تتضمّن إيحاءات ضد العدو الإسرائيلي، من دون أن تتحوّل إلى خطاب سياسي مباشر.
وفي المقابل، ورد لاحقًا عدد من الفيديوهات من المتحدث باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي أفيخاي أدرعي، الذي ظهر في مقاطع مصوّرة تفاعلية مع محتوى كيمو، مستخدمًا أسلوبًا وُصف بالاستفزازي، ومترافقًا أحيانًا مع عبارات ودية.
غير أنّ هذا التفاعل لم يقتصر على العلن، بل انتقل إلى الرسائل الخاصة، وفق إفادة كيمو، الذي أكّد أنّه تلقّى مراسلات متعددة من أفيخاي، بما فيها رسالة تعزية عند وفاة جدّه، عبّر فيها عن “حزنه” وتعاطفه.
ويشدّد “كيمو” أنّ هذه المعلومات حصرية للتحقيق، ويضيف أنّه لم يرد على الرسائل، معتبرًا أنّ ترك قنوات التواصل مفتوحة من دون تفاعل كان الخيار الأقل خطورة، و انه انتنع عن حظر حساب "ادرعي" بدافع الخوف لا القبول مراعيًا الأمان الشخصي وإمكانية تعرّضه أو المقرّبين منه لأي أذى.
تعكس هذه الحالة كيف يمكن لتفاعل رقمي غير مقصود، انطلق من محتوى ترفيهي موجّه أو ساخر، أن يضع صانع المحتوى في منطقة رمادية بين التعبير والمساءلة القانونية، ضمن سياق إعلامي رقمي يفتقر إلى ضوابط واضحة.
الخط الرفيع بين النقاش السياسي والتواصل المخل بالقانون
ولا يقتصر هذا النوع من التفاعل الرقمي على صناع المحتوى، بل يشمل أيضًا صحافيين وإعلاميين لبنانيين عملوا ضمن الأطر المهنية التقليدية. من بين هؤلاء، علي مرتضى، الصحافي المعروف، الذي واجه خلال الحرب تفاعلات متكررة مع المتحدث الرسمي الإسرائيلي أفيخاي أدرعي، في سياق رقمي كشف مدى التعقيد الذي يواجهه الإعلامي اللبناني في التعامل مع العدو، دون أن يتحوّل ذلك إلى تطبيع مباشر.
خلال هذه الفترة، كان مرتضى ينتج فيديوهات باللغة الإنجليزية بأسلوب ساخر، تعكس نظرة اللبنانيين إلى الأهداف الإسرائيلية والمواضيع المرتبطة بالحرب. هذه الفيديوهات لاقت رواجًا واسعًا في إسرائيل والغرب، ما دفع أفيخاي إلى التفاعل لاحقًا عبر مقاطع مصوّرة أحيانًا بأسلوب استفزازي، وفق إفادة مرتضى.
يشير مرتضى إلى أنّ الهدف من التفاعل الرقمي كان فضح التهديدات وكشف التصرفات العنجهية للعدو، وليس الدخول في نقاش يؤدي إلى تطبيع، مؤكدًا أنّ المقاربة الإعلامية يجب أن تميّز بين النقاش السياسي السلبي (مواجهة العدو وكشف ممارساته) والتواصل الإيجابي الذي يُعد خيانة للقانون والدستور.
ويضيف مرتضى أنّه لم يتلق أي اتصال أو تحقّق من أي جهة رسمية للدولة اللبنانية خلال الحرب، لا للاطمئنان على سلامته ولا لتأمين حماية له، ما يعكس ضعف الرقابة والأمان الصحافي في مواجهة التهديدات المباشرة. واعتمد مرتضى على وسائل عمله الصحافية والمؤسسة التي ينتمي إليها لتأمين هامش حركة وحماية قدر الإمكان، مؤكدًا أنّ “الله وحده” هو من يوفّر الأمان في مواجهة تهديدات العدو.
توضح هذه الحالة كيف يمكن للتفاعل الرقمي أن يصبح مساحة مواجهة بين الصحافي والعدو، ضمن بيئة ضعيفة أمنيًا واستخباراتيًا، وتبيّن مدى التعقيد الذي يواجهه الإعلامي في التعامل مع محتوى خارجي قد يشكل تهديدًا مباشرًا، دون أن يؤدي إلى تطبيع أو خرق قانوني مباشر.
تطبيع إعلامي علني:
كما أوضح علي مرتضى في حديثه، هناك فرق بين النقاش السلبي الذي يهدف إلى كشف التهديدات والتصرفات العنجهية للعدو، وبين النقاش الإيجابي الذي قد يُعدّ تطبيعًا. وفي هذا السياق، رصد التحقيق حالة حديثة على منصّة تيك توك، حيث قامت تيك توكر لبنانية بفتح لايف مباشر، وانضم إليها تيك توكرز إسرائيليون. خلال البث، تبادلوا التحيات وتحدثوا بطريقة ودّية، بما في ذلك عبارة “Nice to meet you”.
هذا النوع من التفاعل يمثل تطبيعًا إعلاميًا وعلنيًا، لأنه يحدث أمام جمهور واسع وعلى الملأ، ويُظهر كيف يمكن أن تتحول المنصات الرقمية إلى مساحة للتواصل المباشر بين شبان لبنانيين وإسرائيليين، بعيدًا عن أي سياق سياسي سلبي أو مواجهة مع العدو، مما يعكس شكلًا جديدًا من التطبيع الإعلامي المباشر
د. رندلي جبور، أكدت في حديثها معنا أن الخطوط المهنية والقانونية تلعب دورًا أساسيًا في حماية الإعلاميين من الانزلاق نحو التطبيع. وتشدد جبور على أن الإعلامي يجب أن يمتلك وعيًا كاملًا بمسؤولياته تجاه الجمهور والدولة، وأن يعرف التمييز بين مواجهة العدو بطريقة نقدية أو دفاعية، وبين أي تواصل إيجابي قد يُعدّ تطبيعًا.
كما أشارت جبور إلى أن بعض الإعلاميين أصبحوا يبررون المواقف الإسرائيلية أو يقدمونها بطريقة تبدو مقبولة أمام الجمهور، مستشهدة بحالة شارل جبور الذي، بحسبها، يقوم أحيانًا بتبرير ضرب اللبنانيين أو الترويج لخطاب يخدم العدو، وهو مثال واضح على خطورة تجاوز الخطوط المهنية والأخلاقية في الإعلام.
رندلى أوضحت أيضًا أن النقابة ليست جهة قضائية أو رقابية بالمعنى الكامل، ودورها يقتصر على متابعة التجاوزات المهنية واقتراح القوانين، بينما تقع المسؤولية الأساسية على وزارة الإعلام والقانون الإعلامي لضمان تطبيق الضوابط وحماية الخطوط الحمراء.
و تجدر الاشارة الى انه وفي سياق تحقيقنا، حاولنا الاتصال بوزارة الإعلام أكثر من مرة للحصول على تعليق أو توضيح حول حالات التطبيع الإعلامي التي رصدناها، خصوصًا فيما يتعلق بوسائل الإعلام الرقمية والتعامل مع الإسرائيليين. ومع ذلك، لم نتلقى أي رد من الوزارة، ولم يحضر أي مسؤول للرد على استفساراتنا أو تقديم أي توضيح. هذا الصمت يعكس فجوة واضحة في الرقابة الرسمية على وسائل الإعلام ويضعنا أمام التساؤل حول مدى جدية الجهات الرسمية في حماية الخطوط الحمراء الإعلامية ومنع التطبيع.
العنوان :القانون اللبناني: نصوص بلا تطبيق
بحسب ما أخبرنا أ. حسن عادل بزي، التطبيع الإعلامي في لبنان أصبح ظاهرة واضحة، ويظهر من خلال استضافة شخصيات تتماهى مع السردية الإسرائيلية، أو تقديمهم بطريقة طبيعية أمام الجمهور، حتى مع نفي بعض الإعلاميين لهذه الحقيقة. يشمل ذلك تفاعلات مباشرة على منصات التواصل مع شخصيات إسرائيلية، أو بث محتوى يوحي بعلاقة عادية مع العدو، ما يطرح قضية كبيرة على مستوى المسؤولية القانونية والإعلامية.
واستشهد حسن عادل بزي بحالة حفلة مغني في كازينو لبنان، حيث حاول عبر مسارات قانونية منع إقامتها. إلا أن المراجع القضائية المختصة رفضت الدخول في الملف، بحجة عدم الرغبة في “منع الثقافة” أو التعرض لهجوم إعلامي، ما يعكس ضعف المحاسبة على التطبيع الإعلامي واستغلال الثغرات القانونية.
هذا الواقع الإعلامي يزداد تعقيدًا مع غياب الآليات الفعالة للرقابة على منصات الإعلام ووسائل التواصل. مكتب جرائم الإعلام في الشياح، وهو المختص على مستوى لبنان، يملك عددًا محدودًا من الضباط والآليات للتعامل مع آلاف الجرائم اليومية المرتبطة بالتحريض أو التطبيع، ما يجعل متابعة هذه الملفات شبه مستحيلة.
بحسب عادل بزي، حتى مجرد نشر فيديو أو محتوى إيجابي عن شخصية إسرائيلية يُعد جريمة وفق القانون اللبناني، بما يشمل الفاعل المباشر، والشريك، والمحرض، والمتدخل، إلا أن غياب التنفيذ القضائي يجعل هذه الجرائم تمر من دون محاسبة، ويشجع الآخرين على تكرارها.
اليوم، الواقع الإعلامي يعكس ضعفًا بنيويًا في مواجهة التطبيع، مع عدم وجود جهات متخصصة أو منسقة لمتابعة الملفات، وغياب الدعم القانوني للمواطنين الذين يرفعون شكاوى فردية. كل ذلك يترك الباب مفتوحًا أمام استمرار هذه الممارسات، ويجعل التضليل الإعلامي والترويج لسرديات العدو ممكنًا دون رادع
“قوانين بالية ودستور لا يُطبّق… الطريق مفتوح للتطبيع
في لبنان، لدينا قوانين ودستور ينصّ على حماية الدولة ومنع التطبيع مع العدو، لكن هذه القوانين على الورق فقط. على أرض الواقع، نواجه ثغرات واضحة في التطبيق، ونقصًا في التجديد والتطوير، يجعل من القانون قديمًا ولا يلائم الواقع الحالي.
الواقع يثبت أن الدولة تغيب عن مراقبة التطبيع الثقافي والإعلامي، مما يسهّل انتشار مظاهر التطبيع تدريجيًا، ويجعل الناس تتعود عليها وكأنها أمر طبيعي. القانون موجود، لكنه لا يُطبّق، ولا يحمي المجتمع، ولا يردع من يسعى للتطبيع.
كل ما سبق يظهر لنا أن المشكلة ليست في نصوص القوانين فقط، بل في غياب الإرادة السياسية والتنظيم القانوني، ما يجعل المستقبل مهددًا بتوسع التطبيع إذا لم تتدخل الدولة بشكل فعّال وحاسم.
